ابن رشد
35
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
ننسى أن الأمر يتعلق من وجهة نظر " منطق الدولة " بعمل مشروع وضروري : العمل من أجل حماية الذات والدفاع عن النفس . وإذا تذكرنا أن " علم الكلام " كان في أصل منشئه بالمشرق كلاما في السياسة بمفاهيم دينية ، وأنه ظل يشكل أحد الأغطية الإيديولوجية للدعاية وكسب الأنصار وتنظيم " الانقلابات " والثورات في الدول المجاورة والمنافسة ، أدركنا الدوافع التي جعلت فقهاء الأندلس والمغرب يقررون : " تقبيح علم الكلام وكراهة السلف له وهجرهم من ظهر عليه شيء منه ، وأنه بدعة في الدين وربما أدى أكثره إلى اختلال في العقائد " « 27 » ، وفهمنا أيضا لما ذا لم يكن ممكنا قيام مذهب كلامي أو مشروع إيديولوجي في الأندلس إلا داخل الفقه أو بواسطته . إن التجديد لا ينبثق إلا من " الداخل " ، والداخل كان محكوما بالفقه ، وإذن فالتجديد يجب أن ينطلق من الفقه . وهذا ما حدث على يد فقيه قرطبة أبو محمد ابن حزم . 2 - ظاهرية ابن حزم . . والتجديد من " الداخل " في الوقت الذي كان فيه الباقلاني وعبد القاهر البغدادي والجويني وغيرهم من كبار المتكلمين والفقهاء يعملون في بغداد على ترسيم المذهب الأشعري و " إغلاق " حدوده وآفاقه ، الشيء الذي تبلور كما رأينا في " الاعتقاد القادري " و " بيان " البغدادي . . . في نفس هذا الوقت ، تقريبا ، كان ابن حزم في الأندلس ( 384 - 456 ) يجتهد في صياغة مذهب فقهي يقوم على اعتماد الظاهر من النصوص والرجوع إلى الأصول ، ضدا على قياسات وتفريعات فقهاء المذاهب الأربعة . لقد درج الناس على النظر إلى ابن حزم كمجرد فقيه ظاهري ، مساجل حاد المزاج . وإذا أضيف عنصر آخر إلى شخصيته الثقافية فالغالب ما يبرز تحليله الدقيق للحب وسلوك المحبين الذي ضمنه رسالته الشهيرة " طوق الحمامة " . والواقع أن اختزال فكر ابن حزم بهذا الشكل ينطوي على تعتيم ظالم - مقصود أو غير مقصود لا فرق - لواحد من أكبر المجددين في الفكر العربي الإسلامي يستحق بالفعل أن يعتبر مدشنا للحظة جديدة في تاريخ هذا الفكر . ذلك أن " ظاهرية " ابن حزم ، " فقيه قرطبة " ، منظورا إليها على ضوء الملابسات السياسية التي أطرت تفكيره وحددت له اتجاهه ، هي مشروع ايدئولوجي ثقافي مضاد وبديل لأيديولوجيا الدولة الفاطمية
--> ( 27 ) عبد الواحد المراكشي . المعجب في تلخيص أخبار المغرب . دار الكتاب . بيروت 1978 . ص 252 وما بعدها .